الشيخ محمد الصادقي
104
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
الأرضية ، وهو بوجه يخص الأفق الذي أنت فيه حيث تواجهها بعين مجردة أو مسلحة . وقد يعنى وجه الشئ أوّله لأنه في أوّل المواجهة ، كوجه لهار : « آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ » ( 3 : 72 ) وإذا كان الموجّه اليه أمراً معنوياً كعلم أو عقيدة أو شرعة ودين ، فالوجه اليه هو المعنوي من المواجِه ، وأُحرى مصداق له هو اللَّه « بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ » ( 3 : 112 ) والعبد كله ، بظاهره وباطنه وجهُ لله حيث يواجهه بعلمه وقدرته ، ووجهٌ إلى الله ، حيث يتجه اليه بكله ، بجسمه وروحه وعقله وصدره وقلبه ولبه وفؤاده . اذاً فللوجه وجوه حسب مختلف الوجوه ، فالوجه المُقام « لِلدِّينِ حَنِيفاً » هو الانسان ببعديه ، بظاهر الحواس الخمس ، وباطن المدركات الست روحاً ككل ، وعقلًا ثم صدراً ثم قلباً ثم لباً ثم فؤاداً ، فإنها المراتب المتدرجة المتفاضلة لإدراكات الروح ومعتقداته واتجاهاته . وهنا الفؤاد أعمق أعماق الروح المتكامل حيث يتفأد بنور المعرفة واليقين كما للرسول الصادق الأمين « ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ( 12 ) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ( 14 ) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ( 15 ) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى » ( 53 : 11 - / 16 ) هذه وجوه سبعة للانسان يجب ان يقيمها « لِلدِّينِ حَنِيفاً » ابتداءً بفطرت اللَّه التي فطر الناس عليها » . تجب اقامتها ، دون توجيهها غير مُقامة ، حيث الروح الخامل ، والعقل المتكاسل ، والصدر الضيق الشاغل ، والقلب المقلوب القاحل ، والّلب أو الفؤاد غير المتكامل ، لا توجَّه للدين الّا أن تبوء بخسار ، وكما الحسّ وهو الخطوة الأولى والبلد الأوّل من هذه الرحلة في بلاد العَرفات ، لا يأتي بغير قيامه الّا بالبوار . إلى هنا ، وقد عرفت نفسك وأحببته مشياً على صراط مستقيم دون إكباب على وجهك ، ثم عرفت وجهك بوجوهه وإقامته فيها ، يجب ان تعرف « الدين » المتوجَّه اليه كخامسة